علي بن محمد البغدادي الماوردي
305
أدب الدنيا والدين
الحكماء : من حاذر « 1 » لم يهلع « 2 » ومن راقب لم يجزع ومن كان متوقعا لم يكن متوجعا . وقال بعض الشعراء : ما يكون الأمر سهلا كله * انما الدنيا سور وحزون هوّن الأمر تعش في راحة * قلما هوّنت الّا سيهون تطلب الراحة في دار العنا * ضلّ من يطلب شيئا لا يكون فإن أغفل نفسه عن دواعي السلوة ومنعها من أسباب الصبر تضاعف عليه من شدّة الأسى وهم الجزع ما لا يطيق عليه صبرا ولا يجد عنه سلوا . وقال ابن الرومي : إن البلاء يطاق غير مضاعف * فإذا تضاعف صار غير مطاق فإذا ساعده جزعه بالأسباب الباعثة عليه وأمدّه هلعه بالذرائع الداعية إليه فقد سعى في حتفه وأعان على تلفه . فمن أسباب ذلك تذكر المصاب حتى لا يتناساه وتصوّره حتى لا يعزب عنه ولا يجد من التذكار سلوة ولا يخلط مع التصوّر تعزية . وقد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : لا تستفزوا الدموع بالتذكر . وقال الشاعر : ولا يبعث الأحزان مثل التذكر ومنها الأسف وشدّة الحسرة فلا يرى من مصابه خلفا ولا يجد لمفقوده بدلا فيزاد بالأسف ولها « 3 » وبالحسرة هلعا « 4 » . ولذلك قال اللّه تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا « 5 » عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ . وقال بعض الشعراء : إذا بليت فثق باللّه وارض به * إن الذي يكشف البلوى هو اللّه
--> ( 1 ) من حاذر : من صار ذا حذر . ( 2 ) لم يهلع : لم يجزع على شر مسه . ( 3 ) ولها : يقال : وله الرجل إذا ذهب عقله حزنا . ( 4 ) هلعا : الهلع أفحش الجزع . ( 5 ) تأسوا : تحزنوا .